سيد محمد طنطاوي
196
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
كحمزة بن عبد المطلب ، ومصعب ابن عمير وغيرهما - رضى اللَّه عنهم أجمعين - . * ( ومِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ ) * أي : ومنهم من هو مستمر على الوفاء ، وينتظر الشهادة في سبيل اللَّه - تعالى - في الوقت الذي يريده - سبحانه - ويختاره ، كبقية الصحابة الذين نزلت هذه الآية وهم ما زالوا على قيد الحياة . قال الإمام ابن كثير : قال الإمام أحمد : حدثنا هاشم بن القاسم ، حدثنا سليمان بن المغيرة ، عن ثابت قال أنس : غاب عمى أنس بن النضر - سمّيت به - لم يشهد مع رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم يوم بدر ، فشق عليه وقال : أول مشهد شهده رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم غبت عنه ، لئن أراني اللَّه مشهدا فيما بعد مع رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ليريّن اللَّه ما أصنع . قال : فهاب أن يقول غيرها . فشهد مع رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم يوم أحد . فاستقبل سعد بن معاذ ، فقال له أنس : يا أبا عمرو ، أين واها « 1 » لريح الجنة أجده دون أحد . قال : فقاتلهم حتى قتل : قال : فوجد في جسده بضع وثمانون من ضربة وطعنة ورمية . فقالت أخته - عمتي الرّبيّع ابنة النضر - فما عرفت أخي إلا ببنانه . قال : فنزلت هذه الآية : * ( مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ ) * فكانوا يرون أنها نزلت فيه وفي أصحابه - رضى اللَّه عنهم ، ورواه مسلم والترمذي والنسائي من حديث سليمان بن المغيرة « 2 » . وقوله - تعالى - : * ( وما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا ) * معطوف على * ( صَدَقُوا ) * أي : هؤلاء الرجال صدقوا صدقا تاما في عهودهم مع اللَّه - تعالى - حتى آخر لحظة من لحظات حياتهم ، وما غيروا ولا بدلوا شيئا مما عاهدوا اللَّه - تعالى - عليه . ثم بين - سبحانه - الحكمة من هذا الابتلاء والاختبار فقال : * ( لِيَجْزِيَ اللَّه الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ ) * . أي : فعل - سبحانه - ما فعل في غزوة الأحزاب من أحداث ، ليجزي الصادقين في إيمانهم الجزاء الحسن الذي يستحقونه بسبب صدقهم ووفائهم . * ( ويُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ إِنْ شاءَ ) * أي : إن شاء تعذيبهم بسبب موتهم على نفاقهم . * ( أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ) * من نفاقهم بفضله وكرمه فلا يعذبهم .
--> ( 1 ) واها : كلمة تحنن وتلهف قالها أنس لسعد - رضى اللَّه عنهما . ( 2 ) تفسير ابن كثير ج 6 ص 395 .